الباحث: أمين جمعة أمين عاصي
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الخطاب المجتمعي الفلسطيني على منصات التواصل الاجتماعي، وبالأخص فيسبوك، لفهم تصورات الأفراد لمفهوم التماسك الاجتماعي كما ينعكس في الخطاب الرقمي. كما تسعى لتحديد أشكال وأنواع التماسك الاجتماعي السائدة في المجتمع الفلسطيني، واستكشاف آليات تشكّل جماعات التأثير والروابط المجتمعية عبر الفضاء الرقمي، ورصد الصفحات والمنصات الأكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي الجمعي تجاه القضايا الوطنية والمجتمعية.
يعيش المجتمع الفلسطيني في ظل ضغوط معقدة ومتعددة المصادر. فمن جهة، يواصل الاحتلال الإسرائيلي سياساته الهادفة إلى تفكيك النسيج المجتمعي وتدمير مقومات الحياة، من خلال العدوان المستمر، والتطهير العرقي، واستهداف المدنيين والبنية التحتية. ومن جهة أخرى، يواجه المجتمع تحديات داخلية تتمثل في الانقسام السياسي الحاد، والتدهور الاقتصادي، وتفاقم المشكلات الاجتماعية، وتصاعد الحراكات ذات الأجندات المختلفة والمتعارضة. هذه التحديات مجتمعة تضعف التماسك الاجتماعي، وتبقي المجتمع في دائرة من التفاعل غير المنتج، مما يعيق التنمية والعدالة. ومن هنا جاءت الحاجة لدراسة أشكال التماسك الاجتماعي بهدف بناء قاعدة معرفية يمكن الاستناد إليها في وضع السياسات والحلول التي تعزز الصمود الفلسطيني.
اعتمدت الدراسة منهجين متكاملين؛ المنهج الكيفي (النوعي) لتحليل مضمون الخطاب الرقمي بشكل معمق عبر تقنيات الترميز الموضوعاتي، والمنهج الكمي لحساب النسب المئوية للخطاب الإيجابي والسلبي حول القضايا المختلفة. تم اختيار عينة رقمية من الصفحات العامة والمجموعات الأكثر نشاطًا، وجمع البيانات باستخدام أدوات رقمية لاستخراج المنشورات والتعليقات، ثم تحليل النصوص وتصنيفها إلى ثلاثة محاور رئيسية: سياسي، اقتصادي، واجتماعي. شملت الدراسة الخطاب المنشور خلال السنوات الأربع الماضية.
كشفت النتائج أن الخطاب المجتمعي على منصات التواصل الاجتماعي يعكس هشاشة واضحة في التماسك الاجتماعي، حيث سيطر الطابع السلبي على معظم القضايا، ولا سيما السياسية والاقتصادية. فقد بلغ متوسط الخطاب السياسي الإيجابي حوالي 71% مقابل 55% خطابًا سلبيًا، ما يعكس استمرار الانقسام السياسي وضعف الثقة بالمؤسسات الرسمية وغياب المساءلة. أما الخطاب الاقتصادي، فقد كان سلبيًا بدرجة كبيرة، حيث بلغت نسبته نحو 85%، وهو مؤشر على أزمة اقتصادية عميقة وانعدام ثقة المجتمع بالسياسات الاقتصادية وعدم قدرة هذه السياسات على تلبية الاحتياجات الأساسية. وبالنسبة للتماسك الاجتماعي، فقد تساوت تقريبًا نسب الخطاب الإيجابي والسلبي، حيث بلغ الإيجابي نحو 59% مقابل 58% سلبيًا، مما يشير إلى وجود توازن هش بين مظاهر التضامن من جهة، ومظاهر التفكك والاحتقان من جهة أخرى.
كما أظهرت الدراسة أن التماسك العمودي، الذي يعكس العلاقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، يعاني من ضعف شديد بسبب الانقسام السياسي وتراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية. في المقابل، لا يزال التماسك الأفقي، أي العلاقات بين الأفراد والجماعات على المستوى المجتمعي، قائمًا نسبيًا، ويتجلى ذلك في قوة الروابط الأسرية والعشائرية والمبادرات المحلية لحل النزاعات وتلبية الاحتياجات بعيدًا عن الدولة. وبينت النتائج كذلك أن الخطاب الرقمي يحمل تناقضًا واضحًا؛ فهو يُستخدم في بعض الأحيان لتعزيز التضامن والتعاون، كما في حالات الأزمات، لكنه يتحول أحيانًا أخرى إلى ساحة لنشر الشائعات وخطاب الكراهية، مما يفاقم الانقسامات الاجتماعية.
كشفت النتائج أيضًا عن تصاعد العنف المجتمعي، مثل العنف الأسري والجرائم المجتمعية، وهو ما يعكس ضعف آليات الضبط الاجتماعي وفشل القوانين الرادعة في احتواء هذه الظواهر. كما ظهر شعور متزايد بالاغتراب، خاصة بين الشباب، نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة، ما أدى إلى ضعف انتمائهم وشعورهم بالمشاركة في الحياة العامة.
انطلاقًا من هذه النتائج، توصي الدراسة أولًا بتعزيز الوحدة الوطنية من خلال إنهاء الانقسام السياسي عبر حوار وطني شامل تحت رعاية محايدة، وبناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة بما يعزز الهوية الوطنية المشتركة ويقوي الانتماء. ثانيًا، تدعو إلى إطلاق برامج لبناء الثقة المجتمعية عبر تنفيذ مبادرات للعمل التطوعي بين مختلف فئات المجتمع، ودعم لجان الإصلاح المجتمعي ضمن إطار قانوني ومؤسسي يضمن استدامة دورها وتأثيرها. ثالثًا، تؤكد الدراسة على تمكين الشباب والنساء كقادة للتغيير من خلال إشراكهم في عمليات صنع القرار المحلي، وتوفير برامج تدريبية متخصصة في القيادة وحل النزاعات لتعزيز دورهم في بناء التماسك المجتمعي.
تخلص الدراسة إلى أن التحديات السياسية والاقتصادية تشكل العائق الأكبر أمام التماسك الاجتماعي، وأن استعادة قوة النسيج الاجتماعي الفلسطيني تتطلب سياسات تنموية عادلة، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتقوية الروابط بين المجتمع ومؤسساته، بما يسهم في تعزيز صمود الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال والانقسامات الداخلية.
الكلمات المفتاحية:
التمـاسك الاجـتماعي، الخطاب المجتمعي، وسائل التواصل الاجتماعي، المجتمع الفلسطيني، تحليل الخطاب، فيسبوك، الانقسام الاجتماعي، الجماعات الرقمية، الرأي العام.,الصفحات: 56-88